الوطن الموريتاني الصور البلاغية في الأدب الحساني/ محمدُّ سالم ابن جدُّ - موقع الوطن الموريتاني

الصور البلاغية في الأدب الحساني/ محمدُّ سالم ابن جدُّ

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الصور البلاغية في الأدب الحساني/ محمدُّ سالم ابن جدُّ

    الصور البلاغية في الأدب الحساني*

    تكاد أبواب البلاغة –وخصوصا البديع- تكون موجودة بحذافيرها في الأدب الحساني.. بل في الأحاديث اليومية؛ ولكن يبدو أن المختصين لم ينتبهوا لذلك –أو انتبهوا ولم يهتموا- حيث يكتفون بإطلاق لقب "التگراح" على البديع في الحسانية، وهو لقب يدل تارة على الاستحسان وتارة على الاستهجان، تبعا لاعتبارات شتى.

    ونحن إذ نتحدث عن هذا الموضوع فإننا لن نحشره حشرا.. بل سنورد أمثلة فقط؛ "ولْيُقَسْ ما لم يُقَلْ" و"حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق".

    1- التشريع: هو بناء البيت على قافيتين؛ بحيث يمكن الاقتصار على الأولى، أو تجاوزها إلى الثانية، دون إخلال بالمعنى. وزعم البلاغيون أن الحريري هو أبو عذره في قوله (الكامل)1 )

    يا خاطب الدنيا الدنية إنـــــــها== شَرَكُ الردى وقرارة الأكدار

    دار متى ما أضحكت في يومها== أبكت غدا؛ بعدا لها من دار!

    إذ يمكن القول (مجزو الكامل):

    يا خاطب الدنـيا الدنـ== ية إنها شرك الـردى

    دار متى ما أضـحكت== في يومها أبكت غـدا!

    إلا أن الحقيقة أن أول من جاء التشريع في شعره –فيما أعلم- كان الأخطل (غياث بن الغوث) التغلبي في قوله (الكامل)2)

    ولقد علمت إذا الأعشار تروحت== هدج الرئال تكبهن شـــمالا

    أنا نعجل بالعبـيط لضـــيفــــــــنا== قبل العيال، ونقـتل الأبطالا

    إذ يمكن القول أيضا (مجزو الكامل):

    ولقد علمت إذا العــشا== ر تروحت هدج الرئــالْ

    أنا نعـــجل بالعبيـــــ ==ـط لضيفنا قـبل العـيالْ

    فللأخطل (في هذا الموضوع) فضلان؛ لسبقه، وعدم تكلفه.

    هذا الباب (التشريع) موجود في الأدب الحساني؛ ربما بشكل أدق مما في الشعر الفصيح! يقول الشيخ بن مكي (لبتيت التام):

    فِلِّ بَالِغْنَ عَنْ لِغْــنَ== فَنّْ أُسَحْسَنْ لاَ رَ لِسْنَ

    تُوزِنْ فِلِّ گَطّْ اسْمَـعْنَ== فِيهْ أُرَ مِسْتَعْتَنْ وَسَّاهْ

    أُجَ مَعْنَ لِغْنَ، وِاحْـنَ== ذَ فَنّْ اسْمَعْنَاهْ أُرِغْنَاهْ

    ودون التخلص من أي جزء من أي مقطع يمكن استخدام نفس "الطلعة" باستثناء آخر حرفين منها فقط حين نقول (لبتيت الناقص):

    فِلِّ بَالِغْنَ عَـــــنْ== لِغْنَ فَنّْ أُسَحْسَنْ

    لاَ رَ لِسْنَ تُـوزِنْ == فِلِّ گَطّْ اسْمَـعْــنَ

    فِيهْ أُرَ مِسْتَعْـــتَنْ == وَسَّـاهْ أُجَ مَـعْنَ

    لِغْنَ، وِاحْنَ ذَ فَنّْ == اسْمَعْنَاهْ أُرِغْـنَ

    2- التورية: هي أن يكون للفظ معنيان: قريب وبعيد، فيطلق والمراد به المعنى البعيد؛ كقول السيوطي في رثاء أم ولده غصون3)

    يا من رآني بالهـــموم مطوقـــــا == وظللت من فقدي غصونا في شجون

    أتلومني في عظـم نوحي والبكا؟ == شأن المطوق أن ينوح على غصون!

    ومن الأدباء الحسانيين من كان له هوًى بموضعين يسمى أحدهما اللات، والثاني مناة فانتقل الهوى إلى موضعين آخرين فكفر بالأولين موريا بالوثنين المشهورين4)

    كافر –يَحَزْمِ مَا الْــبَاگْ- == بِالــلاَّتَ وَمَــــنَاتَ

    مِنْ يَوْمْ انْ نِزْلِتْ بَيْنْ بَاكْـ == ـوَيْنِـــيتَ وَاكَــنَاتَ!

    3- الاستخدام: هو إيراد لفظ ذي ضميرين –أو معنيين- ويراد به كلاهما، ويسمى في الحسانية "التلميح" ومنه قول البحتري(5):

    فسقى الغضى والساكنيه وإن همُ == شــــبوه بين جوانحٍ وقلوب!

    فقد استخدم الغضى للشجر وجمره (وبعضهم زاد المكان) وفي الأدب الحساني:

    لِ نَوْبَ وَانَ فِاصّْـــــــبَرْ== لِمْـرَيُّومَ؛ يَــــــلُــــومَ

    عَگْبِتْ گَطْعِتْ لِ فِاظّْهَرْ== وَافْبِرْوَيْتْ اُلِخْــشُومَ!

    فقد ورد لفظ "الظهر" في سياق نكث العهد، ثم في مواضع متقاربة.

    4- الاطِّراد: وهو ذكر آباء المعني على ترتيبهم بسلاسة لا تكلف فيها؛ وأقدم من وقفت عليه في شعره شاعر جاهلي يدعى ربيعة بن عبيد، من بني نصر بن قعنب؛ اعتقد موت ابنه (قبل موته) فقال6)

    أذؤاب إني لم أبعك ولم أقــم== للبيع عنــــد تقاوم الأجــلاب

    إن يقتلوك فقد ثللت عروشـهم== بعتيبة بن الحارث بن شهاب

    وقد زاد عليه عمر بن أبي ربيعة فذكر خمسة آباء في قوله7)

    بينما نحن بالطواف ســــــعاة== إذ مررنا بزينب والــرباب

    ابنتي هاشم بن عبد مناف بـ== ـن قصي بن مرة بن كلاب

    ولكن البلاغيين أسقطوا عمر من اعتبارهم؛ لأنه نسب مرة إلى كلاب (والعكس هو الصحيح) فأخل بالترتيب المطلوب. ومن أمثلة الاطراد في الأدب الحساني قول المرحوم أحمد ابن هدار:

    لاَهِ اتْجِ مَا فِـيهَ اتْكَاذِيبْ == گِــــدَّامْ اللَّوَايْحْ اتْشَالِ

    اللاَّيْحَه الْخَظْرَ الْقَادْ لَدِيبْ == اگْلَيْگِمْ عَــــدِيمْ لَمْـثَالِ

    وِلّْ مُحَمَّدُّ وِلّْ حَبِـــيبْ == وِلّْ لِمْـــرَابِطْ وِلّْ مُتَّالِ

    5- الطباق: هو مقابلة الأضداد، كقول المتنبي8)

    أزورهم وسواد الليل يشفع لي == وأنثني وبياض الصبح يُغري بي

    (أزورهم/انثني، بياض/سواد، الليل/الصبح، يشفع لي/يغري بي)

    ومن أمثلة الطباق في الأدب الحساني:

    آنَ بـــــاللهْ ابِاشّْــــرَعْ == مِنْ هَذِ مِنْتْ الْقـَاظِ

    مَا نِمْشِ مَانِ مِنْفْــگَعْ== اُلاَ نَرْجَعْ مَانِ رَاظِ

    (نمش/نرجع، منفگع/راظ).

    6- القول بالموجب: منه حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه؛ ومثاله قول الحسن بن احمد المشهور بابن حجاج9)

    قلب: ثقلتُ –إذ أتيتُ مرارا-== قال: ثقلتَ كاهلي بالأيادي!

    ومن هذا القبيل قول ابوه بن أسياد:

    عَنـْدْ اجَّــجَّايَ صَابْحَ == گِـرْبْ الرِّجْـلِ وِاحْمِيرُ

    غَيْرْ اجَّجَّايَ مَـــالْحَ == ظِحـْكَ عَنْدْ اسْـوَيْرِيرُ!

    فقد كانت ملوحة "الججايه" (غدير في سبخة) موجبا للقول بـ"ملاح" ضحكة المحبوب (ملاحتها/ قبولها/ جاذبيتها).

    7- الاستطراد: هو ن يسير المتحدث في مجال غير مقصده الحقيقي، وإنما هو ذريعة إلى مرام آخر، ومنه قول البحتري يصف فرسا10)

    يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت== صــيدا، وينقض انقضاض الأجدل

    متوجــس برقيقـــتين كـــــــــــــأنما== تريان مـــن ورق عليــــــه مُــوَصَّل

    ما إن يعاف قذًى، ولو أوردتــــه== يوما خـــلائق حــــــمــدويه الأحول!

    وفي عكس مقصد البحتري يقول أديب شعبي:

    اتْزَرْگِـيگْ ابْهَگْ لِمْبَــغْدَدْ == وِابْهَگْ زِيرَاتْ احْسَيّْ أَحْمَدْ

    وِابْهـَگْ سَرَطَاتْ إِلَ گَــدّْ == آمُشْتــــــيلْ الْعُگْلَ لَـزْرَگْ..

    إلى أن يقول: ألاَّ بِيَّ زَيْـــنْ اعْلَ مِـنْتْ== الْقَاسِمْ لِكْبِـــيرَ لِبْهَــگْ!

    فقد عدد الأخير "بهق" عدة واضع (ابيضاضها) ليصل إلى حسن البهق على بشرة محبوبه (وقانا الله وإياكم).

    8- الإرصاد (من أسمائه التسهيم): هو أن يكون في أثناء الكلام ما يشعر بالكلمة الأخيرة منه؛ كقول عمرو بن معدي كرب الزبيدي11)

    إذا لم تستطع شيئا فدعه== وجاوزه إلى ما تستطيع

    ومنه قول أدبي شعبي (عن نفسه):

    أحمق وافَّيْسِدْ مَا انْــعِدّْ==عَشْرَ يَعْرَفْهَ كُلّْ حَـــدّْ

    سَاكِتْ وِالنَّاسْ ألاَّ اتْـرِدّْ== ألاَنِ مَــــسْلَ مِتْوَاسِ

    نَاسِ وِامْوَسْوَسْ غَيْرْ بَعْدْ== وَاللهِ مَــانِ نَــــاسِ

    (ذَاكْ الْوِدَاعْ الِّ اگْبَيْلْ)

    9- التقسيم: وله أنواع شتى، ولواحق متنوعة لا أعتقد بخلو الأدب الحساني من أي منها؛ فمن ذلك ذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل منها ما يناسبه؛ كقول المتبني12)

    سأطلب حقي بالقنا ومشايـــــــخ == كأنهمُ من طولما التثموا مُرْدُ!

    ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دُعُوا == قليل إذا عُدُّوا، كثير إذا شَدُّوا!

    ومنه في الأدب الحساني:

    يِصَّرْمَكْ عَنْ كُلّْ طَوْطَ== وِامْنْ السِّتْرَ مَا اتْلَـوْطَ

    اُيگْدِلْ مِنْ لَخْلاَگْ حَوْطَ== وِالْبِيگْ اعْلَ الــرُّوحْ

    وِاعْلَ فُمّْ الْجُرْحْ يَـوْطَ == مَا حَسّْ الْمَــجْرُوحْ!

    بقلم: الأستاذ الباحث: محمدُّ سالم ابن جدُّ

  • #2
    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

    تعليق


    • #3
      [ALIGN=CENTER][TABLE1="width:100%;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]اخي المتروق
      شكرا لك على المرور[/ALIGN]
      [/CELL][/TABLE1][/ALIGN]

      تعليق

      يعمل...
      X