عن أي "موريتانيا الأعماق" يجدر الحديث؟
مقال للكاتب الصحفي " الولي سيدي هيبة "


اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	image_1619.jpg 
مشاهدات:	2 
الحجم:	61.4 كيلوبايت 
الهوية:	119233


يأخذ الحديث عن "صين" الأعماق طابع الحفاظ على البيئة الصينية من غابات و أنهار و مناطق رعوية و زراعية و محميات طبيعية و آثار تاريخية، و يتقمص في أمريكا شكل الحفاظ على التوازن القاري و السكاني و النظام في إطار استقلالية الولايات بخصوصياتها، و في أستراليا صفة الاهتمام البالغ بمميزات الدولة القارة الفريدة من صحرائها الشاسعة بإبلها السائبة، و كنغرها الأعجوبة إلى مناطقها الخصبة بنعاجها الولادة التي تصدر لحومها للعالم، و بخصوصية سكانها الأصليين من الأبوريجين Aborigènes، كما تكتسي العبارة في بلدان من كل القارات كالهند و في أمريكا اللاتينية أوجها تمد كلها إلى حفظ الأرض و إرساء قواعد التنمية و ضمان البقاء بما يتطلبه كل الأمر العظيم من وعي و سعي و عمل ميداني.
و لا تأخذ صفة "الأعماق" في هذه البلدان مع ذلك أية شحنة عاطفية و لا تقترن بشعور أو حالة نفسية أو نشوة أو طابع سريالي مثلما هو الحال في موريتانيا التي يتردد فيها الحديث كثيرا و بإسهاب منذ زمن في داخل فضاءات و محافل أهل الأدب و مجالس أصحاب الرأي الثقافي و السياسي و أهل الاجتماع و في مجال الإعلام عموما و المرئي خصوصا عبارة "موريتانيا الأعماق" مشحونة بعواطف جياشة و حنين دافق و اعتداد و فخر زائدين بتاريخ لم يؤصل له و لم يكتب بعد؛ حالات من المضامين النفسية التي ولى زمانها و قد عجزت كلها، عمدا أو نقصا، عن إبراز ملمح الاعتزاز السامي المشترك و المنسجم بصدق الإحساس مع الذات و الإخلاص للوطن المتجسد و الذي ظل غير مدرك و عاجزا حتى عن تحديد أي الأعماق يُقصد بالتسمية وهل تكون:
· موريتانيا "القرى" النائية و المناطق الوعرة التي تخلو في معظمها من المأوى اللائق، و تفتقر إلى أقل البنى التحتية الضرورية، و يحيى جل أهلها على أوجه فلكلور ناطق في مجمله بالأمية الحضارية و بالإنتمائية الضيقة الموغلة في القدم و يعيش بعقلية البقاء القدري و الاكتفاء الضامر بالقليل على خلفية غياب الإرادة القاهرة للصعاب و نبذ الجهد المحصل و قلة الطموح المشيد للصروح العالية و الاعتماد على التبادل الذي يخلو من قصد الكم و لا يراعي صون الكيف؟
· موريتانيا "المدن"، التي ترفض أن تكون كذلك، يزداد سكانها و تتمدد في فوضوية غياب التخطيط العمراني و بعد الأسس الهندسية المعمارية و ضعف مقومات المدنية من شوارع و مرافق عمومية و منشآت تهذيبية مدارس و مسارح و دور شباب و نوادي تحفظ وجها مميزا يأخذ تجلياته من التاريخ و الثقافة؟
· موريتانيا "الجهات" التي أبت أن تستمسك بهوية يتوحد فيها كل تنوعها و اختلافها، و قد استعصى على أهلها عبور حقب الزمن فلم يدركوا كيف يسيرون على هدى و التاريخ في رحلته التي لا تتوقف و إن تحفظ الماضي لكنها لا تعود إلى الوراء؟
· موريتانيا "الأرض" بكل تضاريسها الممنوعة عن الحفظ بعناية من موجات الهجر الذي لا ينقطع سيله و من التمادي في قلة استغلال كنوزها الباطنية و الطافية على أديمها؟
· موريتانيا "الآثار" المهملة و التاريخ المميع الحقب و الممرغ الأوجه في أحبار التناول الضيق أحيانا و الغرضي أحيانا أخرى و استغلال الربحيين لباهت المهرجانات التي تقام منذ سنوات قليلة و إن كذلك في سابقة محمودة ففي سوء تنظيم و ضعف تقدير و قلة مخرج.
· موريتانيا "السياحة" و ضعف المنتج السياحي و العجز عن بيع الوجهة للراغبين و هم كثر و عدم القدرة على بناء الصروح السياحية و اقتناء الوسائل إلى ذلك خدمة للأرض و التاريخ و الوطن و المواطن من دخلها الذي يشكل معظم ميزانيات دول عريقة عبر العالم؟
· موريتانيا "السياسة" التي تحمل كل أوجاع الماضي و إحباطات الحاضر و ضبابية المستقبل من الانتماء القبلي السلبي، و الارستقراطية المالية الجديدة، و الإثني السقيم، و الشرائحي المؤلم، و تتقاذفها أمواج بحر السخرية و العبثية السياسية "الماكيافيلية" المفرطة في تعميق الهوة بينها و بين قواعد الإنصات و دوافع إنجاز الوطن؟
لا وجود في قواميس الأوطان لـ"سطحية" تقابل "عمقا" علما بأن عمق كل وطن محله النفوس و الضمائر و الإرادات الخلاقة، و ذاك الأولى، اللهم إذا عنى العمقُ جزء من الوسط يصنع فيه المستقبل بعيدا عن المتربصين في البلد بتخلفهم و قصورهم عن إدراكهم متطلبات معركة استقامة عود الدولة رغم ما حصلوه من المعارف التي تظل إن فُعلت أولى ضرورات منعها، و من الخارج الذين يغرقون المرتبك الضعيف في شباك الحاجة بقشور الحضارة المادية المنتجة بعيدا و يوقعون المهوسين بها في شراك عدم الاستقلالية عنها، و كل أولئك هم شر البرية يشوهون ذات الوطن ثم يدمروه و إنهم بما اقترفوا المرتهنون.